كتابات وآراء


الإثنين - 05 أكتوبر 2020 - الساعة 05:20 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب


العملة الوطنية واحدة من علامات السيادة لأي بلد ولأي دولة كانت، وتتفوق العملة على بقية علامات ورموز سيادة الدولة بأنها، فضلا عن بعدها الرمزي المهم، تعبر عن المخزون المادي والثروة الاقتصادية للبلد وهي من هذا المنطلق أكثر الرموز التصاقا بحياة الناس اليومية وأمنهم المعيشي وظروفهم الطبيعية.
فالعلم والنشيد الوطني والشعار ومعها الدستور والقانون وغيرها من رموز سيادة الدولة قد لا يعيرها الكثير من المواطنين العاديين اهتماماً، لكن المواطن العادي، المسيس وغير المسيس، المتعلم وغير المتعلم، الموافق لنهج السلطة الحاكمة والمخالف لها، كلهم يتعاملون بشكل يومي وربما كل ساعة وبعضهم بالدقيقة والثانية مع العملة الوطنية، باعتبارها الرديف المكافئ لمعيشتهم ونظام حياتهم، وتطلعاتهم للمستقبل ومشاريعهم الصغيرة والكبيرة، القريبة والبعيدة، وبالتالي فإن كل تغيير يطرأ على سعر العملة وقيمتها إنما يمس مباشرة حياة مواطني البلد وسكانها بكل فئاتهم ومستوياتهم قبل أن يمس النظام السياسي القائم أو المفترض.
انهيار سعر العملة قد يبدأ بسيطاً وما زلت أتذكر عندما كان سعر الدولار 12 ريالاً يمنيا في العام 1990م ثم بعد الحرب بدأ في الارتفاع ليقارب المائة، وعندما قال الدكتور عبد الكريم الإرياني رحمه الله أنه يتوقع أن يصل سعر الدولار إلى مائتي ريال شعر الكثيرون بالرعب والخوف من التداعيات التي ستترتب على ذلك التغيير الكبير في قيمة الريال، ومع كل تراجع لمنظومة الحكم يتراجع سعر الريال ومع كل اضطراب سياسي يهتز ما تبقى من الاقتصاد ينال الريال النصيب الأوفر من الاهتزاز، حتى وصل سعر الدولار اليوم إلى قريب الثمانمائة ريال وقد يصل إلى الألف ريال قريبا، بما يعني أن الموظف الذي كان يستلم 50 ألفً في العام 1995م وكانت تقريبا تساوي 500 دولار فإن هذه الخمسون ألفاً ستساوي خمسون دولارا، مع الارتفاع المهول في أسعار الخدمات والسلع، والدولة (المفترضة) عاجزة عن اتخاذ أي إجراء لتدارك هذه الانهيار المتوقع.
فقدان قيمة الريال هو فقدان القدرة الشرائية لدى المواطن، وبالتالي فإن ما كنت تشتريه بالخمسين ألف عام 1995م لن تشتري 10% منه اليوم وبكلمات أخرى تحتاج إلى 250 ألفا من الريالات لتشتريه اليوم بفعل انهيار القيمة الشرائية للريال.
وهكذا فإن انهيار قيمة العملة يدفع الآلاف وربما مئات الآلاف من السكان وقد يكون عامة السكان إلى حافة المجاعة والإملاق ما يدخل البلد في حالة من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية وربما الذهاب باتجاه الانهيار لمنظومة الدولة بشكل عام، ما لم تتخذ إجراءات علاجية عاجلة واستثنائية تسمح بخلق توازن بين الإيرادات والمصروفات من العملة الصعبة وبشكل عام خلق توازن معقول في إطار ما يسميه الاقتصاديون بالميزان التجاري وميزان المدفوعات.
نحن هنا نتحدث في العموم عن أي بلد لديها دولة قائمة وتؤدي وظائفها وإن في ظل وضعية صعبة كالتي أشرنا إليها، لكن عندما لا توجد دولة فإن الحديث عن انهيار الدولة يغدو بلا معنى، فالدولة التي لا أرض لها لتقيم عليها نظامها، ولا شعب تمثله وتعبر عنه ويدعمها ويؤازرها، ولا نظام حكم محدد المعالم والأدوات والسياسات والأجهزة، تعمل من خلاله فإنها تظل دولة افتراضية لا وجود حقيقي لها على الأرض ولا معنى للحديث عن بقائها أو انهيارها، بل لقد سبق انهيارها انهيار العملة وانهيار أي رمز آخر من رموزها الأخرى.